الشيخ محمد رشيد رضا

75

الوحي المحمدي

« وقضى ستّة أشهر في هذه الحال حتى خشي على نفسه عاقبة أمره ، فأسر بمخاوفه إلى خديجة فطمأنته وجعلت تحدّثه بأنه الأمين ، وأن الجن لا يمكن أن تقترب منه ، وفيما هو يوما نائم بالغار جاءه ملك فقال له : أقرأ . قال : « ما أنا بقارئ » وكان هذا أول الوحي وأول النبوّة » . « وهنا تبدأ حياة حدة روحية قوية غاية القوة . حياة تأخذ بالأبصار والألباب ، ولكنها حياة تضحية خالصة لوجه اللّه والحق والإنسانية » أ . ه . أقول : إنّ كلّ ما هنا من خبر أو جله غير صحيح ، ولو صحت لكان ما استنبطه منها مما يخطر بالبال ، ولكن الوحي المحمدي فوق كل استنباط وكل احتمال ، فمن أين علم هذا الإفرنسى أن محمدا نسي الليل والنهار ، والحلم واليقظة ؟ وأنه كان يقضى الساعات الطوال جاثيا في الغار أو مستلقيا في الشمس . . . إلخ وإنه قضى ستة أشهر في هذا الحال ؟ . قد افترى في الأخبار « 1 » ليستنبط منها أنه صار صلوات اللّه عليه مقلوبا على عقله ، غائبا عن حسه ، غارقا في بحر لجي من خياله . أثمر له انبثاق ذلك الوحي العالي من نفسه ، وتجليه لبصره وسمعه . وإنني أبدأ الردّ عليه وعلى أمثاله بنقل أصحّ الروايات في خبر تحنثه في الغار الليالي ذوات العدد - من شهر رمضان في تلك السنة لا فيما قبلها - لتفنيد أخيلته وشعرياته ، وإبطال نتيجة مقدماته ، وللاستغناء بها عما نقله من الخلط في صفة الوحي من الفصل الذي بعد هذا من كتابه . ذلك ما رواه الشيخان البخاري ومسلم في صحيحيهما ، وهذا نص رواية البخاري رضى اللّه عنه في كتابه الجامع الصحيح .

--> ( 1 ) أي افترى في أثنائها ما ليس له أصل من روايات السيرة ولم يفترها كلها ، كما أنه لم يعرف الصحيح الضعيف ، وفسرها بما وافق رأيه في سبب ذلك الوحي العظيم الذي يعترف بعظمته وحكمته .